كما هو معروف في ان السفارات لأي بلد في العالم هي صورتها المشرقة بالاضافة الى انها الممثلية التي تقوم برعاية شؤون رعاياها ومصالحهم بغض النظر عن انتماءاتهم المتنوعة...ولكن سفارات النظام البعثي العراقي السابق لم تكن كذلك!... بل كانت مكاتب المعارضة العراقية والفعاليات الاجتماعية للجاليات هي التي تقوم برعاية المهجرون والمهاجرين ،لان عمل تلك السفارات والقنصليات وبقية المراكز الاخرى للنظام قد تحولت منذ استيلائه على الحكم عام 1968 الى مراكز استخبارية ارهابية ليست لها علاقة بالعمل الدبلوماسي سوى بالشكل فقط!...واصبحت تلك المراكز حاوية لعتاة المجرمين القتلة الذين قاموا بأقذر الاعمال الوحشية واكثرها اجراما في تاريخ العمل الدبلوماسي، من خلال مطاردة وقتل اكبر عدد ممكن من العراقيين المعارضين للنظام البائد بما في ذلك مشاهير العمل الفكري والاجتماعي ،كذلك يعرف عن سفراء النظام البائد كون الاغلبية الساحقة في انهم غير مأهلون للعمل الدبلوماسي او ليس لديهم القابليات العلمية او الاكاديمية نظرا لان القرب من النظام الفكري والمناطقي والمذهبي هو المعيار السائد كان ايامه!وكذلك بقية موظفي السفارات الذين هم في اغلبيتهم من الاجهزة الامنية الوحشية...ولذلك كان العراقيون يتجنبون زيارة تلك السفارات والمراكز التابعة لها لمعرفتهم بطبيعة عملها والذي لايخفى ايضا على البلد المضيف والذي يراعي عمل تلك السفارات ويقدم لها كل التسهيلات حتى لو كانت اجرامية للحفاظ على العلاقة المشتركة والمصالح المتبادلة ولم يكن الغرب مستثنيا من تلك القاعدة الشريرة! خاصة ايام الحرب بالوكالة عن الغرب والدول العربية ضد ايران بعد انتصار ثورتها الاسلامية عام 1979!... وقد بقيت تلك الصفات لسفارات النظام البائد حتى سقوطه الحتمي عام 2003 وعندها تغيرت الصورة بصورة تدريجية رغم استمرار عمل بعض بقايا النظام البائد فيها! لتمارس عملها الطبيعي...
لقد كانت صفة غريبة حقا في مقاطعة ابناء بلد ما لسفاراتهم ومراكز وممثليات حكوماتهم في الخارج وهو ابسط دليل لمن يجهل ذلك من غير العراقيين،كذلك حفظ لنا التاريخ صور بشعة من عمل تلك السفارات من خلال قتل وتعذيب وخطف واعمال ارهابية خلال تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق كذلك فقدان تلك الاموال الضخمة المخصصة لتلك الاعمال الارهابية مع شراء الذمم من مواطني الدول الاخرى والذين مازال البعض منهم يمارس عمله في في خدمة النظام السابق وازلامه الهاربون من العدالة برغم انكشاف الحقائق الساطعة امام الجميع في وحشيته،ولكن للمال سطوته التي تفوق اي رغبة في تغيير السلوك!!...
ولكن يمكن الاشارة الى ان نفوذ وسطوة تلك المراكز قد ضعف كثيرا بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 نظرا لسوء العلاقات مع الغرب وليس لكون الضمير الانساني قد تحرك لايقاف ذلك النظام الاستبدادي عند حده! ،وبذلك تنفس العراقيون في الخارج الصعداء واخذوا يمارسون حرياتهم المكبوتة وخاصة معارضة النظام بحرية دون ان يجدوا معارضة من سلطات البلاد المضيفة لهم والتي كانت تعمل في السابق في خدمة النظام...
تلك هي لعبة المصالح المتغيرة بين الدول والتي لا تخضع نهائيا لأي مبادئ وقيم انسانية عالية الا اذا تلائمت معها في الموقف!.
ذكر لنا السفير السابق محمد المشاط في كتابه هذا شيئا قليل من ذلك دون ان يخوض في التفاصيل حول مكونات السفارات العراقية السابقة!...ولكن يمكن الاشارة الى ان سفارة مهمة في بلد يعتبر الاقوى في العالم مثل امريكا والمفروض منها ان تكون اضخم سفارات النظام واكثرها امكانية،هي من الضعف والفقر الشديد الى درجة تبعث على السخرية المرة من نظام يعتمد الاعلام وتشويه الحقائق كمنهج ثابت في الحياة...
فقد ذكر في كتابه(ص 33- 44) كيف ان السفارة لايوجد بها جهاز كومبيوتر واحد! بالاضافة الى قلة عدد الموظفين نظرا لقلة الامكانيات المخصصة لهم بينما توجد في داخل السفارات مكاتب كاملة للمخابرات يمنع الجميع من دخولها بما في ذلك السفير! ولها امكانيات مادية وبشرية تفوق الجميع بالاضافة الى الصلاحيات الغير محدودة في تطبيق اعمالها الاجرامية والتي لم تكن في خدمة البلد بل في خدمة النظام فقط واستمراريته في الحكم!...
على الحياد!:
من اغرب ما ذكره السفير السابق المشاط هو انه عند تسلم مسؤولياته كسفير في واشنطن عام 1989 فأن توصيات وزير الخارجية طارق عزيز ووكيله حول عدم المساس باسرائيل ولو تصريحا ضد سياساتها في داخل امريكا! وان ذلك من توجيهات صدام المباشرة والتي نقلوها له!لكون ان الاولوية هي في رعاية مصالح النظام والتي تحتاج الى علاقات مباشرة مع مؤيدي اسرائيل داخل امريكا!...وقد سبب له ذلك حسب قوله صدمة كونه من المؤيدين بشدة لحقوق الشعب الفلسطيني اينما حل في دول الغرب،وتلك الحقيقة غير خافية على الغالبية العظمى من العراقيين ماعدا اقلية يمثلون النظام البائد وافكاره،ولكن المصيبة انه مازال وبرغم سقوط ذلك النظام الاستبدادي المقيت منذ سنوات فأن نسبة كبيرة من شعوب العالم العربي وبدون وعي احيانا مازالت تصدق ان سبب سقوط النظام هو كونه مع الشعب الفلسطيني! الذي هو الاخر مازالت شرائح كبيرة تؤيده دون ادنى مراعاة لمشاعر واحاسيس الشعب العراقي والشعوب الاخرى التي عانت منه! وهو يعود بالدرجة الاولى الى الاقتناع المستند على قواعد الجهل المركب المتعددة في تصديق الاعلام المظلل والذي يحول جماعات وشعوب باغلبيتها الى مسيرة وليست مخيرة...
وتطرق في بداية عمله الى مسألة الدعم الامريكي لنظام صدام والذي تمثل في القروض الزراعية والدعم اللوجستي والذي بدأ عام 1982 ايام الحرب مع ايران ثم تطرق الى مسألة القرض الضخم(2 مليار دلار)والذي حصل عليه النظام بصورة غير قانونية من احد فروع البنوك في امريكا وبدون ان يخبر المركز الام في روما،ثم صرفه تلك الاموال لبناء قدراته الحربية وهي صفة عامة تحلى بها النظام البائد عندما كان يقترض الاموال بكثرة لبناء ترسانته العسكرية والامنية للاستمرار في حروبه التدميرية بالوكالة ضد ايران والشعب العراقي وبمعرفة الجهات المانحة التي تعرف جيدا انه لن ينفقها في تطوير شعبه ورفاهيته اذا كان اساسا ينفق اموال النفط الضخمة بنفس الشاكلة! ولكن المخزي ان تستمر بعض الدول واغلبيتها عربية! في طلب استرجاع تلك الاموال القذرة من الشعب العراقي الان وهي التي انفقت لقتله وتعذيبه!!..
الحملات الاعلامية:
تحدث المشاط وبشيء تفصيلي عن الحملات الاعلامية(ص 59-97) التي رافقت بداية عمله في امريكا ضد النظام،وعزا ذلك الى السيطرة الكاملة للوبي الصهيوني كون العراق معاديا وبشدة لاسرائيل ولو بشكل ظاهري لان العراق برأيه خرج من الحرب مع ايران قوي البنية العسكرية ولكنه ضعيف من الناحية الاقتصادية وبالتالي فأن ذلك خطر على المصالح الغربية في المنطقة،ولكنه ذكر وفي عدة اماكن في كتابه الى انه اغلبية الاتهامات الموجهة لسياسات النظام هي صحيحة ولكنه مضطر للدفاع عن النظام البائد كونه سفيرا له ولا يمكن له الخوض في تفاصيل تلك الاتهامات والتي يشعر بعجزه عن ردها بالشكل المقنع!...
الا ان الحملة الاعلامية بدأت حسب رأيه منذ اعدام الصحفي بازوفت في آذار 1990 وبطريقة خالية من العدالة القانونية في بلد يفتقر اليها اساسا!...ثم اشتدت تلك الحملة بعد التصريح الغبي من صدام حسب تعبيره في انه يحرق نصف اسرائيل بالكيمياوي المزدوج،وهو بحق تصريح يدل على حماقة وجهل مركبين لانه من المفروض كتمان القدرات العسكرية كما تفعل ذلك جميع البلاد الاخرى والتي من ضمنها اسرائيل نفسها التي مازالت تتستر على برامجها العسكرية للتدمير الشامل مثل الاسلحة النووية والبايولوجية وغيرها،وبالتالي فأن تلك التصريحات المثيرة سوف تجلب الانتباه الى قدرات العراق العسكرية مما ادى الى اشتداد الحملات الاعلامية والتي لم تواجه بحكمة او حتى برد فعل معاكس في القيام بحملة اعلامية في داخل بلد يباع فيه كل شيء مثل امريكا!،وهي من علامات الغباء الستراتيجي لنظام تحكم بالعراق طويلا!...ويذكر العديد من الامثلة في كيفية طلبه من الخارجية تخصيص اموال ولو بسيطة (بحجم 10- 25 الف دولار)في دفعها الى مكاتب اعلامية امريكية تقوم بالدفاع عن النظام وسياساته حتى يمكن بناء لوبي يقوم بالدفاع عن العراق والشراكة معه،بينما يذكر في الفصل الرابع ص121 -122 كيف تصرفت السفارة الكويتية في واشنطن من خلال انفاق اموال ضخمة جدا لشحن الرأي العام الامريكي لدفعه للحرب وحتى التنسيق مع المنظمات الموالية لاسرائيل حتى وصلت المبالغ المدفوعة لمكتب اعلامي واحد بأعترافه الى 10 ملايين دولار هذا غير عشرات المكاتب الاعلامية والمنظمات المختلفة واستخدمت لاجل ذلك اساليب رخيصة في الكذب والتلفيق الى درجة فاضحة من خلال تقديم ابنة السفير الكويتي على انها مواطنة هاربة من بلادها الى اعضاء الكونغرس لتقديم افادتها المزورة حول مشاهداتها للغزو من خلال الادعاء بسرقة حاضنات الاطفال من المستشفيات والبكاء امامهم للتأثير عليهم بضرورة شن الحرب! وهذه الفضيحة جرى التستر عليها لاحقا من قبل جميع الاطراف كما هو معروف! وكل ذلك لاجل هدف معلن تبرر كل الوسائل له...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله بك اخ مهند على الطرح المفيد
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
توقيع :
اللهم يامن أجاب <<نوحاً>> حين ناداه ويامن كشف الضر عن <<أيوب>> في بلواه,,ويامن سمع <<يعقوب>> في شكواه,, ورد إليه <<يوسف>> وأخاه وبرحمته عادت إلى النور عيناه,, بارك لنا في<< مـــنتـــدانـــا >> واجعله باب خير لنا,, وملتقى دعوه يجمعنا,, أبدع في مواضيعك ، وأحسن في ردودك ، و قدم كل مالديك ، ولا يغرك فهمك ، ولا يهينك جهلك ، ولا تنتظر شكر أحد ،
بل أشكر الله